أحمد ياسوف
130
دراسات فنيه في القرآن الكريم
من أفكار لأجل الحساب ، هذا التجميع في لغة الشهود تجسيم يعتمد على الانزياح اللغوي ، وهو في لغة الغيب حقيقة ، إذ توضع الأفكار والاعتقادات على اختلافها في الميزان بعد أن تنزع وتجمع من الصدور . ثمة تجسيم يعطينا صورة حرارية في قوله عز وجل لدى الكلام على قصة نوح عليه السلام : حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ [ هود : 40 ] ، وأكثر أقوال المفسرين « 1 » على أن التنور حقيقة وليس تمثيلا ، فهو مكان مخصوص قرب الكوفة أو هو وجه الأرض عموما ، وثمة قول يفيد بأن التنور على سبيل التمثيل للتعبير عن حضور العذاب ، كما ورد في الحديث : « هذا حين حمي الوطيس » « 2 » للتعبير عن استعار القتال في غزوة حنين ، وكقول العرب : فارت قدر القوم إذا اشتدت حربهم . ولكن اللافت للنظر أن الاحتكام إلى اللغة الانزياحية في تفسير الكلمة يقصرها على فوران الماء في التنور ، ويبدو لنا أن النار أرجح لأنها أكثر تعبيرا عن الغضب الإلهي على القوم الكفرة ، خصوصا أن النار عقابه عز شأنه ، وفوران النار أخوف من فوران الماء ، لأن النار أصل الإحراق . وإسناد الفوران إلى النار يثير الخيال أكثر ، ويقدم صورة نارية آخذة في الازدياد ، مع إمكان تزامن الاشتعال بصوت عجيب ، وفوران الماء شيء طبيعي محتمل الرؤية ، أما فوران النار فهو غير طبيعي ، ثم هو مثير لطاقة التخيل ، وهذا التنور الكائن الحراري جسم مغلق ، أصبح يشي بحال الاختناق الجسماني والنفساني لهؤلاء الكفرة ، فهم محاصرون بالعذاب العاجل ، كما سيحاصرون بالعذاب الآجل .
--> ( 1 ) مسلم ، الجهاد ، باب غزوة حنين : 6 / 112 ، ح ( 1175 ) . ( 2 ) راجع مثلا ابن كثير : 1 / 720 ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي : 9 / 31 ، والبيضاوي : 1 / 456 .